السعيد شنوقة
374
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
فيها على المكلف قبل مجيء الشرع أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصّر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا » « 1 » ، واجتمعت كلمتهم في أن الإنسان العاقل قادر بعقله على أن يميز بين الأشياء الحسنة والقبيحة ، وأن يفرق بين الخير والشر قبل ورود الشرع ؛ لذا أوجبوا عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل وتجنب القبيح كالكذب والظلم « 2 » . وفي جانب من هذه الخلفية فسر الزمخشري قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] ، وبناه على استدلال اعتزالي قال : « وقد استدل بقوله - خلق لكم - على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا ، لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها » « 3 » قال القرطبي ( ت 671 ه ) : استدل المعتزلة بأن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] إلى أن يقوم الدليل على الحظر . وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ولا معيّن قبل ورود الشرع ، فتعيّن الوقف إلى ورود الشرع وهذه الأقوال الثلاثة للمعتزلة . وأضاف أن ( الشيخ أبا الحسن ) وأصحابه وأكثر المالكية و ( الصّيرفي ) « 4 » أطلقوا القول بالوقف ومعناه عندهم « أن لا حكم فيها في تلك الحال وأن الشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا بغيره ، وإنما حظه أن يتعرف الأمور على ما هي عليه » « 5 » . ولئن استدل
--> ( 1 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 66 ، 72 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص 56 - 58 - ، 66 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 115 . وقد اختلفوا في مواهب العقل ، إذ تتم معرفة الله تعالى والدليل الداعي إلى معرفته عند أبي الهذيل العلاف بضرورة العقل من غير خاطر أي دون روية . بينما يتوصل الإنسان العاقل عند النظّام إلى معرفة الخالق قبل ورود الشرع بالعقل أي بعد تفكر وتأمل . وذهب ثمامة ابن أشرس إلى أن المعارف كلها ضرورية ، ومن لم يضطر إلى معرفة الله تعالى فليس مأمورا بها ، وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان : انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 173 - 129 وكذا الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 66 - 85 - ، 72 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 116 - 115 . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 270 . ( 4 ) محمد بن عبد الله ( الشافعي الفقيه الأصولي ، م 330 ) . ( 5 ) الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 251 - 252 .